عمر الإدلبي… رجل قال "لا" فجرّدته السلطة من حريته وملابسه
في واحدة من أكثر حلقات “يا حرية” تأثيرًا، يستعيد البرنامج شهادة الناشط عمر الإدلبي، الذي تحوّلت كلمة "لا" في حياته إلى تهمة جاهزة، وورقة عبور نحو زنزانات النظام السوري. لم يكن الإدلبي سياسيًا محترفًا أو صاحب منصب، بل مواطنًا امتلك الجرأة الكافية ليعترض على أساليب السلطة، وليرفض المشاركة في طقوس تأييد مفروضة بالقوة، كان أبرزها ما عُرف بالتصويت لـ حافظ الأسد بالدم.
تروي الحلقة، من خلال مقابلات وتمثيل درامي، كيف تعرّض الإدلبي لاعتقالات متكررة من دون محاكمة، وكيف كان جهاز المخابرات يبحث دائمًا عن أي ذريعة لإسكاته. إحدى تلك الاعتقالات جاءت بتهمة “التحريض على عدم انتخاب حافظ الأسد”، وهي تهمة تكشف ليس فقط مستوى القمع، بل حالة الخوف التي أراد النظام زرعها في المجتمع: إما أن تشارك في الاستفتاء حتى آخر قطرة دم، أو تُعامل كعدو للدولة.
في التفاصيل التي يسردها عمر، يبرز مشهد مرعب ومهين في آن واحد: لحظة تجريده من ثيابه بالكامل داخل المعتقل. لم يكن الهدف جسديًا فقط، بل نفسيًا؛ إذ كانت السلطة تريد إذلاله، وكسر صوته، وتذكيره بأن المعترض في سوريا لا يُسجن فقط، بل يُسلب من إنسانيته. يروي أنه وقف وحيدًا، عاريًا، أمام عناصر الأمن، لكنه لم يشعر بالهزيمة؛ فقد كان اعتراضه أعمق من أن يُمحى بمثل هذا القمع.
خلال الاعتقالات المتكررة، عاش الإدلبي تجارب مختلفة من التعذيب النفسي والجسدي: الضرب، التهديد، الحرمان من التواصل مع العالم الخارجي، والاحتجاز في مساحات ضيقة لا تتسع إلا للجسد المثقل بالخوف. لكن رغم كل ذلك، بقي يحمل داخل نفسه قناعة راسخة بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الصمت في وجه الظلم مشاركة فيه.
الحلقة تكشف أيضًا كيف كان النظام يحاول تجميل قمعه عبر إبقاء الاعتقالات “غير رسمية”، بلا محاكمات ولا لوائح اتهام. ذلك يسمح له بإخفاء المعتقلين، وإنكار مصيرهم، وكأنهم لم يتواجدوا يومًا. لكن شهادة الإدلبي تُعيدهم إلى الواجهة، وتكشف زيف النظام الذي كان يقدّم نفسه كحامٍ للاستقرار بينما يطارد كل نفس حرّ.
إعداد الحوار الذي قدّمته سعاد قطناني، وإخراج شادي خدام، يمنحان الحلقة عمقًا بصريًا وإنسانيًا. فالمشاهد التمثيلية تُعيد بناء لحظات الألم التي يصعب تخيلها، بينما تُظهر المقابلة الحقيقية صوتًا هادئًا، ثابتًا، يروي ما جرى بلا مبالغة، وكأن القوة تكمن في الحقيقة نفسها.
قصة عمر الإدلبي ليست مجرد شهادة فردية، بل مرآة تعكس حقبة كاملة من القمع السياسي في سوريا، حيث يمكن لجملة اعتراضية، أو رفض بسيط لمشهد مسرحي سياسي، أن يتحول إلى تجربة اعتقال مريرة. لكنها أيضًا قصة عن قدرة الإنسان على الصمود، وعن معنى أن تحافظ على كرامتك حتى عندما يُحاول الآخرون سحقها.
في النهاية، تُعيد “يا حرية” تقديم الإدلبي ليس كضحية فقط، بل كصوتٍ حيّ اختار المواجهة في زمن الخوف، ليصبح مثالًا على أن الشجاعة قد تكون كلمة واحدة… لكنها تكلف عمرًا كاملًا.